عفيف الدين التلمساني
138
شرح مواقف النفري
بالعلم ههنا علم العبادات دون ما سواه ، فإن القوم إذا نزلوا إلى أدنى الرتب تكلموا في العلم بالعبادات والعمل به ، وأما ما سواه فالقوم مشغولون باللّه تعالى عنه ، وأما الصفة التي لا تعجز فيها عن عملك فهي أن يرى العامل الحق فتكون كل حركة من حركاتك كانت ما كانت فإنها عبادة وذلك لأنها بحضرة مجلى من مجالي الحق تعالى ، ومظهر ظهر لك به ، فكيف تفتر من نومه ويقظته وسكونه وحركته حضور مع مظاهر الحق تعالى وأشرف رتب العبادة أن يصر مظاهر فهذه مظاهر فلا تفتر صاحبها عن العمل . هذا الشرح هو الذي يقتضيه نفس المواقف وفيه كفاية إن تأملوه وشفاء لما في الصدور من سقم الإنكار إذا عرفوه . قوله : ( وقال لي : إن لم تعرف صفتك علمت وجهلت وعملت وفترت بحسب ما بقي عندك من العلم تعمل وبحسب ما عارضك من الجهل تترك ) . قلت : هذا التنزل في شرحه ما سبق وفيه زيادة وهي أن تعلم وتجهل هو الذي لا يدوم على ضبط الأصل المذكور بل يغفل عنه ، وأعلى مراتب ذلك الوصف أن ترى إشارات هداية العلم هي من الاسم الهادي فترى العلم للعالم الحق تعالى ، وأدنى مراتبه أن نضبط القاعدة المذكورة وهي أن كل ما جمعك جمع على الحق تعالى فهو إشارة علم حق . وأما العمل الذي يتعاقب عليه الفتور فهو الذي يكون بعضه مشاهدا فيه الحق تعالى غائبا عن ملاحظة العبد نفسه وصفته وبعضه يغيب فيه عن رؤية الحق تعالى بل يرى نفسه وكل عمل يرى فيه النفس فهو فتور إن كان كثيرا اجتهاده دائما فعله وضده هي معارضة الجهل لعلمه . قوله : ( وقال لي : زن العلم بميزان النية ، وزن العمل بميزان الإخلاص ) . قلت : هذا التنزل يؤيد ما سبق من الشرح ، وذلك أن وزن العلم بميزان النية هو أن ينوي بأي حركة كانت بها القربى إلى اللّه تعالى فيكون ذلك علما متى عمل بمقتضاه ثبت علمه ونفع كانت تلك الحركة مشروعة في المنقول أو ليست بمشروعة فيه وذلك لأنه ضبط أصل مراد الشارع بالعلم الدال على منهج العبادة .